ابن أبي أصيبعة
50
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
. . وكان حنين ينقل عادة من اليونانية إلى السوريانية ثم يقوم بالترجمة إلى العربية أو يكلف أحدا من تلاميذه بذلك تحت إشرافه ومراجعته ، وتميز أسلوب حنين بالدقة العلمية وعدم الغموض . وقد ترجم حنين إلى اللغة السوريانية ثمانية وخمسين مصنفا من مصنفات جالينوس وإلى العربية وحدها اثنى عشر مصنفا ، وإلى السوريانية ثم إلى العربية اثنين وعشرين مصنفا « 1 » . . . وكان حنين يبذل قصارى جهده في سبيل البحث عن أصول الكتب والنسخ الأصلية لها مثال ذلك كتاب « في البرهان » لجالينوس الذي كان نادر الوجود في القرن الثالث الهجري والذي قال عنه حنين : إنني بحثت عنه بحثا دقيقا وجبت في طلبه أرجاء العراق وسوريا وفلسطين ومصر إلى أن وصلت إلى الإسكندرية لكنني لم أظفر إلا بما يقرب من نصفه في دمشق . . . يقول ماكس مايرهوف « 2 » ويرى « برجستراس » الذي كان أستاذا للغات السامية في جامعة « ميونخ » وأعظم حجة في تراجم حنين العربية : أن حنين وحبيشا أفضل تلاميذه : تجشما عناء كبيرا في التعبير عن معنى أصول الكتب اليونانية بقدر ما يستطاع من الوضوح . وكانا يترجمان ترجمة حرفية حتى ولو ضحيا في ذلك بجمال اللغة وتنسيق ديباجتها . لكن تراجم حنين أفضل ودقتها أعظم ، ومع ذلك فإن الإنسان يخيل إليه أنها ليست مجهود صادق ولكن نتيجة تمكن وتوثيق من اللغة وحسن تصرف في مذهبها . ويتجلى هذا في سلاسة التوفيق بين اليونانية والعربية والدقة المتناهية في التعبير مع الإيجاز .
--> ( 1 ) يذكر « ماكس مايروهوف » أنه بفضل الرسالة الخطية لحنين إلى علي بن يحيى في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس وهذه الرسالة يوجد منها نسختان خطيتان في مكتبة جامع إبا صوفيا بالأستانة تحت رقم ( 663 ) ورقم ( 3590 ) فنحن على معرفة بقائمة ما ترجمه حنين فإنه ترجم إلى السوريانية من كتب جالينوس خمسة وتسعين ، وترجم إلى العربية منها تسعة وثلاثين وعدا ذلك فإنه راجع وأصلح ما ترجمه تلاميذه ، وهي ستة إلى السوريانية ونحوا من سبعين إلى العربية ، كما راجع وأصلح معظم الخمسين كتابا التي كان قد ترجمها إلى السوريانية سرجس الرأسعينى وأيوب الرهاوي وغيرهما من الأطباء المتقدمين . . وكانت التراجم السوريانية تعمل في الغالب للأطباء والعلماء والنصارى أمثال جبرائيل بن بختيشوع يوحنا بن ماسويه وسلمويه بن بنان وبختيشوع بن جبرائيل وزكريا الطيفورى وولده إسرائيل وشيريشع بن قطرب وسواهم . . . وكانت التراجم العربية تعمل لأعاظم المسلمين الذين اعتنق الكثير منهم الإسلام حديثا ، أمثال علي بن يحيى كاتم سر المتوكل على اللّه ، وصديقه ، ومحمد بن عبد الملك الزيات وزير الخليفة المعتصم باللّه ومحمد وأحمد ابني موسى وكانا من مشاهير الرياضيين وعلماء الطبيعيات وأحمد بن محمد المدبر والى مصر في أيام المتوكل ( مايرهوف مقدمة تحقيق العشر مقالات في العين . . . ص 29 ( 2 ) في مقدمته لكتاب العشر مقالات في العين لحنين ص 30 .